صديق الحسيني القنوجي البخاري

370

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني الأمم المذكورة من الدواب والطير ، وضميرها بصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم في وجوه المماثلة السابقة ، وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء ومنهم أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم ، وذهب ابن عباس إلى أن حشرها موتها وبه قال الضحاك والأول أرجح للآية ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ولقول اللّه تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ التكوير : 5 ] . وذهب طائفة من العلماء إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار ، وما تخلل كلام معترض قالوا وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص ، واستدلوا أيضا بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة ولفظه « حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء وللحجر لما ركب على الحجر وللعود لما خدش العود » « 1 » قالوا والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها . وعن أبي هريرة قال : ما من دابة ولا طائر إلا سيحشر إلى يوم القيامة ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن ثم يقال لها كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وإن شئتم فاقرأوا ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ الآية وفي صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء » « 2 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي القرآن صُمٌّ وَبُكْمٌ أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم ، نزلهم بمنزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغي قبوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة ، وقال أبو علي : يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة . فِي الظُّلُماتِ أي في ظلمات الكفر والجهل والحيرة والعناد والتقليد لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم ، والمعنى كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات فضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 61 ، والترمذي في القيامة باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 301 ، 372 ، 411 ، والطبري في جامع البيان 11 / 347 ، والحاكم في المستدرك 2 / 316 . ( 2 ) راجع تخريج الحديث السابق .